محمد كرد علي
232
خطط الشام
من حديد وألبسها ثياب النساء وزينها بإزار وشعرية ، وجعل في يدها قصة على جريدة ، وكتب فيها رقعة ليراها العزيز عند مروره وهي : « بالذي أعز جميع النصارى بنسطورس وأعز جميع اليهود بمنشا وأذل جميع المسلمين بك إلا ما رحمتهم وأزحت عنهم هذه المظالم » فتوسطت ست الملك ابنة العزيز لنسطورس بالعفو . فحمل إلى الخزانة ثلاثمائة ألف دينار ، وأعاده إلى ما كان ناظرا فيه وشرط عليه استخدام المسلمين في دواوينه وأعماله . أما منشا فقتل إذ لم يستشفع فيه أحد . تناقض في التسامح غريب في بابه ، وأصول في الإدارة لم يلاحظ فيها نزع العلة التي يشتكى منها ، بل كان ينظر فيها لمنفعة الخزانة ، أما الرعايا فأمرهم للّه ، وحسابهم على سواه . ولقد جاء في الفاطميين وزراء عقلاء مثل الوزير ابن كلس المتوفى سنة 380 الذي نصح للعزيز في مرض موته بقوله : « سالم يا أمير المؤمنين الروم ما سالموك ، واقنع من الحمدانية بالدعوة والسكة ، ولا تبق على المفرج بن دغفل بن الجراح متى عرضت لك فيه فرصة » وكان ذلك غاية الغاية في سياسة الملك لأن الروم أمة قوية عزيزة لا تخنع لجيرانها خلفاء مصر ولا لخلفاء بغداد ، وهي تراهم مختلفة كلمتهم جد الاختلاف متعبين في داخليتهم ، مشتغلين بالمنتقضين على سلطانهم ، فقد أجاب العزيز الروم سنة 377 إلى الصلح واشترط شروطا شديدة التزموا فيها كلها . منها أنهم يحلفون أنه لا يبقى في مملكتهم أسير إلا أطلقوه ، وأن يخطب للعزيز في جامع قسطنطينية كل جمعة ، وهادنهم سبع سنين . أما الدولة الحمدانية فإنه على ما يظهر لم يعجل انقراضها إلا اعتصامها في آخر أمرها بالروم ، ونفضها يديها من طاعة العباسيين وطاعة الفاطميين معا ، فاستهان بها عدوها وصديقها ، ودب الفساد ودخلت الدسائس وكان في ذلك زوالها ، وأما المفرج بن دغفل أمير بني طيىء وسائر العرب بأرض فلسطين ، فإنه كان عدوا لدودا للفاطميين ، قريبا من دار ملكهم يهددهم كل يوم ، وربما استطاع أن يستنجد بملوك الشرق على نقض عرى الملك الفاطمي . فهو بدوي والأعراب أي البادية ما دخلوا بلدا إلا أسرع إليه